النصر لا ريب فيه

بقلم: الدكتور أبو يعرب المرزوقي (*)

        ليس من التفاؤل الساذج القول إن شروط النصر الحاسم ومقوماته في حرب العالم كله الثالث والثاني والأول بقيادة الصحوة الإسلامية الساعية إلى التحرر من الهيمنة الأمريكية والصهيونية باتت أمرا شبه حاصل في الوجود الموضوعي رغم ما جري في المعركة الأخيرة التي ليست هي في الحقيقة إلا بداية هذه الحرب الفعلية. وكنا قد أشرنا في المقال السابق إلى أنها لن تكون بداية إلا بعد انهيار النظام الذي حصر المجتمع في الدولة والدولة في النظام والنظام في شخص الزعيم أعني بعد أن يتحرر المجتمع من دولة غير شرعية وتتحرر الدولة من نظام غير قانوني ويتحرر النظام من زعامة مستندة إلى القوة المادية بديلا القوة الروحية: وعلامة ذلك بداية عودة النظام والمقاومة من المساجد دون سواها لكونها الحيز الوحيد الذي تتحد فيه الدولة والمجتمع في مفهوم الأمة التي تسكن قلوب الجميع ولا يقتصر وجودها على التعين المادي للجهاز الذي سرعان ما ينفرط عقده بموت الزعيم. ولعل ذلك يفهمنا دلالة الفتنة الكبرى: فرغم اغتيار ثلاثة خلفاء وحدوث خمسة حروب أهلية من قتل الخليفة عثمان إلى القضاء على فتنة ابن الزبير لم تنكسر الأمة بل حققت بعد ذلك ما نسميه اليوم دار الإسلام.
       
ولا شك أن شروط الحرب التي يقتضيها الفكر الاستراتيجي الإسلامي غير متوفرة في العراق اليوم لعلتين نذكرهما سريعا. لكن بداية العمل بهذا الفكر هي التي تفهمنا الصمود العجيب لجيش دولة صغيرة أمام قوة جبنت أمامها الصين وروسيا وأوروبا مجتمعين. والعلتان في عدم توفر هذه الشروط في المعركة الحالية هما: القطيعة بين النظام والشعب بحكم طبيعة علاقته به علاقته التي هي ليست إسلامية لما فيها من القهر والتسلط والطاغوت المنافي لكل القيم الإسلامية والقطيعة بين فئات الشعب وطوائفه بحكم خاصية وحدة الشعب الروحية في العراق خاصيتها التي هي ليست إسلامية لما فيها من العداء والتناحر والأحقاد.
   
إن علاقة النظام العراقي بالشعب تقلل من اللحمة بين قوى الدفاع والمواطنين. أما انعدام الوحدة الروحية فقد يكثر من الخيانات. وكل ما يتمناه المرء هو ألا يكرر بعض اخوتنا من الشيعة والأكراد أخطاء الماضي مهما كان العذر الذي يعود في الحقيقة جله إن ليس كله إلى العلة الأولى أو علاقة النظام بالشعب. فينبغي ألا ينسى اخوتنا الشيعة أن المغول الذي استعمل بعض الشيعة في الماضي صاروا سنة وصاروا على الشيعة في جل البقاع. وكذلك سيفعل الأمريكان إذا وجدوا من يعينهم من الشيعة لا قدر الله  إذ لا يمكن أن يفرطوا في مصالحهم مع 90 في المائة من العالم الإسلامي من أجل بعض الخونة. وينبغي لبعض الأكراد أن يعلموا أن وعود أمريكا كاذبة: فلن تعادي أمريكا تركيا والعراق وأيران وسوريا وروسيا من أجلهم. ولعل ما حدث في العراق بعد انفراط عقد النظام يكون درسا للأنظمة الإسلامية عامة والعربية خاصة على هذين المستويين.
       
وهاتان العلتان هما اللتان تفسران بدء أمريكا حربها التي يصفها بعضهم صراحة بالحرب العالمية الرابعة بدءها بالعراق: فهو أضعف حلقات الوطن العربي للعلتين السابقتين وبحكم الظرف التاريخي الذي يجعله محاطا بالأعداء من كل جانب فضلا عن منطق التهديم بالتفريغ العاصف. فمخططوا الفعل الاستراتيجي في أمريكا يعلمون العلتين الأوليين. وهم الذين رتبوا العلة الثالثة بالحرب العراقية الإيرانية التي رعوها وبالحرب العراقية الكويتية التي شجعوا عليها. ثم هم يعلمون أن تفجير العراق سيخلق فراغا في قلب العالم الإسلامي يتداعي من بعده كل المحيطين به سواء تدخلوا أو بقوا متفرجين: هم يعملون على القضاء على قلب الأمة الإسلامية أعني العرب وهذا لا يكون باسرائيل وحدها بل لا بد من التحالف مع تركيا وإيران والحزام المحيط بمصر من افريقيا. ولن يأتي دور مصر والسعودية إلا بعد القضاء على دور الأزهر والحرمين. وقد بدأت محاولات القضاء على دور الأزهر ببعض المرتزقة من الأزهريين اللذين يزايدون عليه في تلفزات الخليج ويزعمون الثورية الإسلامية مع اللجوء إلى أحياز القواعد الأمريكية. كما بدأت محاولات القضاء على الحرمين بتنمر بعض الجزر العربية إلى الطموح إلى الزعامة الإسلامية بالمزايدات التلفزية.
        أما الزعم بأن أمريكا قد حاربت العراق من اجل النفط فهو تبسيط سخيف من الفكر الاستراتيجي التلفزي الذي لا يساوي فلسا ولا يصدقه كل من يعلم أن الحصول على النفط ليس قابلا للوقوع من دون كلفة الدم فحسب بل إن أصحابه يقدمون الرشوة تلو الرشوة لكي يحتلهم الامريكان وينهلوا من نفطهم ما شاءوا مقابل حمايتهم من شعوبهم. ولم يكن صدام استثناء من هذه القاعدة فهو قد كان يمكن أن يقبل بأقل مما قبل به الذين فتحوا أراضيهم للاحتلال الأمريكي دون قتال لو لم لم تكن للأمريكان خطة أبعد غورا أساسها القضاء النهائي على العرب لتشكيل الشرق الأوسط من دون العرب ومن ثم لمواصلة الهيمنة على العالم.

    معاني أحداث تاريخنا الحديث
        علينا أن نحلل معانى الأحداث تحليلا يجعل شروط النصر ومقوماته أمرا لا ريب فيه لكونه حاصلا فعلا في وجود المسلمين الموضوعي ويقبل أن يصبح كذلك في وجودهم الذاتي فيتحول بفضل ذلك إلى وعي يشاركنا فيه بقية العالم ليتحقق الوعي الكوني بها وتنتهي الأسطورة الأمريكية التي تتحدث عن نصر في الحروب العالمية الثلاث السابقة وتبشر بالنصر في الرابعة الجارية حاليا. ويقتضي ذلك أن نبدأ بتحديد جلي للكيفية التي تساعد على نقل ما تحقق في معارك الأمة منذ الشروع في النهضة من مجرد الحصول الحدثي إلى الحصول المعنوي ببيان دلالتها التاريخية ومغزاها الروحي. ويكفي لبيان ذلك أن نؤول بعدين أساسيين يربطان بين الحدث التاريخي ومعناه في كل الحضارات الإنسانية:
            
فأما البعد الأول فهو قانون الوحدة الغائية للضدين الوحدة التي يتميز بها كل ظرف قدري في مسعى الأمم الصاعد من تاريخها ذي التضاريس المختلفة, الظرف الذي يجعل واقعها التاريخي بحصوله الحدثي وبمعناه الرمزي يحقق نفس الغايات رغم التناقض المطلق بين الأطراف الفاعلة كما حدث في حروب الفتنة الكبرى الأهلية حروبها التي لم توقف النصر الإسلامي رغم هولها بل أسهمت فيه بما فرزته من مقومات الفعل المؤثر في تحقيق الوجود الفعلي للثورة الإسلامية. ولعل أفضل أمثلته الآن هو أن العدوان الأمريكي المادي على الأمة في تشتتها السطحي والصمود العربي الرمزي في وحدتها العميقة  تنطلقان من نفس الحيز المكاني في  الخارطة العربية: أعني الخليج العربي الذي يمثل حيز التقابل المطلق بين كل تناقضات الوجود العربي الإسلامي الحالي إذ هو ملتقى أبعد ما بقي حاضرا من ماضي العرب والمسملين وأقصى ما بدأ يحضر من  مستقبلهم فيعد من ثم التجسد الفعلي الحالي لهذا القانون الذي نشير إليه.
        وأما البعد الثاني فهو قانون الفاعلية التاريخية لأمة من الأمم قانونها المستمد من ضرورة التلازم بين طبيعة الأحداث المحددة للوجود التاريخي الفعلي أو الواقعي وطبيعة المعاني المحددة لدلالته التي هي وجودها التاريخي الرمزي أو المخيالي. فلا يمكن لأمة أن تؤثر في التاريخ بغير التطابق بين وجودها الموضوعي ( في هذه الحالة ارهاصات التحديث العربي الإسلامي ) ووجودها الرمزي ( في هذه الحالة فشل العقيدة العلمانية والعودة إلى المقوم الإسلامي أساسا للصمود الروحي أمام الغزو الأمريكي والصهيوني ). لذلك فاضطرار الأنظمة القومية التي حاولت بناء التحديث على العلمانية إلى العودة ولو بشكل سطحي وانتهازي إلى الأساس الوحيد الحقيقي لوجود الأمة الروحي أعني المقوم الإسلامي وخاصة عند الاصطدام بالممحص الحاسم للمعاني التاريخية  في حيوات الأمم العظيمة أعني الحرب يعد أفضل أمثلة هذا القانون. ذلك أن وحدة القيام الحضاري للأمم من جنس وحدة طبقات المخ: لا يمكن للطبقات السطحية أن تكون فاعلة إلا لم تكن نابعة من الطبقات العميقة إذ هي تسمتد منها مبدأ حيويتها وسند تأثيرها الحقيقي عندما يجد الجد كما هو الشأن في الحروب.
       
فهذا الاضطرار علته ضرورة  التطابق ( من حيث تلاؤم الأمرين أو تقاسم نفس المقومات ) والتساوق ( من حيث تزامن الأمرين أو تعاصرهما ) بين النهضة المادية والصحوة الروحية شرطا في تحقيق قدرة الفاعلية التاريخية للأمة. ويعني ذلك أن طلائع الأمة مضطرون للعودة  الصادقة فعلا لا قولا إلى مفهوم الأمة كما حدده الإسلام رفضا لمفهومها الأوربي في القرن التاسع عشر. ومعنى ذلك أن هذه العودة ينبغي ألا تكون من جنس اضطرار حزب البعث العربي إلى مجرد توظيف للرموز الإسلامية. بل ينبغي التخلص الحقيقي من مفهوم الأمة القومي
 والعودة إلى مفهومها الملي الذي يحدده الإسلام بوصفه شرط فعل التعارف ( علة فاعلية للعلاقات السلمية بين الأمم ) والتدافع ( علة غائية للعلاقات الحربية بينها ) في تحقيق القيم العليا للرسالة. وهذا التحول سيحرر الأمة من دائها الحديث: صراع قوميات الأمة الأربع الرئيسية أعني التركية والفارسية والكردية والبربرية ضد القومية العربية ليعيدها إلى علاقة سوية بالعرب مثل صلة قوميات الأمة الأربع الأخرى بهم أعني القوميات الصقلبية الأوروبية والهندية والمالوية والزنجية. فتعود الأمة بذلك إلى التعارف بين شعوبها وقبائلها حول أساس وحدتها الروحية أعني لغة القرآن رمزا ومهبطه فعلا. وإذا تم ذلك واتحد الأزهر والحرمان تخلصا من نتائج الحرب الأهلية التي بدأت بيهنما منذ حرب اليمن أمكن للأمة العربية أن تقود حرب التحرير فتحقق النصر الذي لا ريب فيه مهما كانت قوة أمريكا المادية.

    علامتا اجتماع القانونين في اللحظة الراهنة
        
غايتنا هنا أن نبين الحصيلة الفعلية لاجتماع القانونين فنشرح دلالة هذا الاجتماع في تحديد معنى اللحظة التاريخية التي تعيشها الأمة أعني لحظة القيادة الفعلية للحرب الحالية التي هي ليست حربا عالمية رابعة كما يزعم الأمريكان بل هي حرب العالم الأولى بقيادة المسلمين على الطغيان المادي الأمريكي والروحي الصهيوني الناتجين عن التحريف الديني وستكون الأخيرة إن شاء الله تعالى: فإذا حصل ظرف تحقق فيه لأمة من الأمم هذان القانونان المتحكمان في شؤونها من المنظورين الداخلي والخارجي كان علامة على أن تلك الأمة وفقها الله إلى شروط النصر الحاسم توفيقا لا ريب فيه بمقتضى أمر يشبه القضاء والقدر الذي لا مرد له. ولذلك علامتان:
       
1 - علامة داخلية تجعل كل فرقاء الأمة في خدمة غاياتها السامية بقصد أو بغير قصد رغم الحرب الضروس بينهم بحيث إن القومي بالمعنى الملي والإسلامي الذي تحدد في أفق الصحوة صارا يعملان من أجل من نفس الغايات والفرق الوحيد هو في ترتيب الأوليات التي هي النهضة المادية عند القومي وهي النهضة الروحية عند الإسلامي, مع الإعلان الصريح على الحرب الأهلية في كلا التيارين: بين القومي العلماني ( الذي يفتت الأقطار العربية مثل الحركة البربرية  والحركة الكردية ) والقومي الملي ثم بين الإسلامي القطري والطائفي التابعين والإسلامي الكوني والملي المستقلين.
       
2- وعلامة خارجية تجعل العدو يحقق غايات الأمة في حالتي نجاحه وفشله بحكم كونه قد صار عاجزا عن توظيف طرف من هذه الأطراف من دون خدمة غاياته إذ هو مضطر  للتردد بين تحالفين كلاهما يحقق صالح الأمة في الغاية رغما عن مقاصده: فعندما حالف الإسلامي اضطر العدو للقبول بالصحوة الروحية إلى أن اشتد عودها وعندما حالف القومي اضطر  للقبول  بالنهضة المادية إلى أن اشتد عودهما واشتداد العودين هو ما أصبح يخيفه إلى حد جعله يقرر اعلان الحرب على ممثليه فأصبح من حيث لا يعلم الدافع الأساسي لوحدة الأمة التي باتت أمرا لا ريب فيه. 
       
وبقليل من التمحيص نرى أن الوضع العربي والإسلامي الحالي يتصف بكل هذه الصفات داخليا وخارجيا. لذلك فالأمة الإسلامية توجد في الظرف الذي يسمح لها بتحديد آفاق الإنسانية المقبلة إذهي قد أصبحت الناطق الكوني بإرادة التحرر الإنساني من الطاغوت المادي      ( أمريكا ) والروحي ( إسرائيل ) نطقا فاعلا يتصاحب فيه التأثير الرمزي للصحوة الإسلامية والتأثير المادي للنهضة العربية هذين التأثيرين اللذين أصبحا فاعلين حقا ويقرأ لهما ألف حساب رغم تشكيك علماني القوميين ( الذين يحصرون الصحوة في الفكر الشمولي متناسين أن شمولية الفكر التي صاحبت النهضة المادية في الأقطار الإسلامية هي بنت فكرهم الدغمائي ) وأهل القشور من الإسلاميين ( الذين يحصرون النهضة في الفكر الدكتاتوري متناسين أن عنف الفكر الذي صحب النهضة في العالم الإسلامي هو ابن فكرهم الجامد )  في الآفاق والقدرات  واستكثارهم على الأمة طموحها التاريخي الذي يجعلها قائدة الحلف بين الشرق الأدنى ( الوطن العربي ) والغرب الأدنى  ( أوروبا ) ضد عدوي الإنسانية المطلقين أمريكا ممثلة لسرطان الإنسانية المادي الخبيث وأسرائيل ممثلة لسرطانها الروحي الخبيث: وستحسم المعركة إن شاء الله في هذه الرقعة الجامعة بين الشرق والغرب الأدنيين. ويمكن أن نثبت هاتين الحقيقتين بتحليل ثمرات الماضي وآفاق المستقبل كما يتعين في بؤرة الوجود التاريخي التي يمثلها الحاضر بوصفه ما ظل حاضرا من الماضي وما بدأ يحضر من المستقبل.

دلالة ما بقى حاضرا من الماضي
        ولنبدأ بتحليل ما بقي حاضرا من الماضي. فالمرحلة الأولى من الصحوة والنهضة قبل انفصالهما الذي فرضته العلمنة والأصلنة السطحيتان كانت إحيائية كما هو معلوم. وهي مرحلة تقدمت على الصدمة بالغرب إذ هي قد بدأت منذ القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي في عملية النقد الشامل لأسباب الانحطاط والدعوة إلى العودة السوية للسنن المحمدية التي  هي غير آثار الأفعال بل هي عين الأفعال التي أنتجت تلك الآثار فأصبح السؤال التاريخي الذي هو جوهر الصحوة: كيف نكون فاعلين مثل أهل الصدر بدلا من الاقتصار على التقليد الميت لثمرات أفعالهم. لذلك فقد تضمنت هذه العملية النقدية لحظتين أولاهما كانت مضمون الإصلاح الذي شرع فيه الامام ابن تيمية في بداية القرن الثامن الهجري ربعه الأول والثانية كانت مضمون الإصلاح الذي شرع فيه ابن خلدون في نهاية نفس القرن ربعه الأخير. فشيخ الإسلام ابن تيمية اعتبر اسباب الانحطاط الروحية ناتجة عن فساد العقل النظري عند نخب الأمة. لذلك كان نقده منصبا على الأساس النظري للعمل والنظر أعني على الاستسلام للجبرية الأسطورية في العمل ( الفقه والتصوف ) وعلى الاستسلام للوثوقية الميتافيزيقية في النظر ( الكلام والفلسفة ). والعلامة ابن خلدون اعتبر أسباب الانحطاط المادية ناتجة عن فساد العقل العملي عند نخب الأمة. لذلك أنصب نقده على التسلط في الفعل العملي (المؤسسة السياسية والتربوية ) وعلى التبلد في النظر العملي ( مؤسسة الاجتهاد والمعرفة ).
       
لكن الاحياء الذاتي لم ينتقل من مستوى التحليل الفكري إلى مستوى التحقيق الفعلي فيتحول إلى عملية إصلاح حقيقية بسبب عوامل كثيرة أبقتها عديمة المفعول التاريخي إلى بعد  حصول الهجمة الاستعمارية التي جعلت أكبر هموم  حركة الإصلاح  تثبيت مقومي الهوية الأصلين  ( الدين واللغة ) بنفخ الحياة في ثمرتيهما اللتين يتقوم بهما الوجود الفعلي للمجمتع العربي ( التاريخ الإسلامي والحضارة العربية ). وعلامة هذا التمكن هي الصمود الفاعل الذي أنهى مرحلة الاستعمار وحال دون الذوبان في حضارته بخلاف الكثير من الأمم المستعمرة الأخرى التي فقدت هويتها الثقافية  ( كالهند التي صارت تتكلم انجليزي ) ومن ثم طموحها التاريخي.  فحرب التحرير الوطني استمدت بعدها الروحي من الإسلام وبعدها المادي من العروبة. وبذلك كان العرب المسلمون العامل الحاسم في القضاء  على امبراطوريتي فرنسا وانجلترا اللتين يتمثل مركز ثقل استعمارهما في دار الإسلام. فعاد الوطن العربي من حيث هو قلب دار الإسلام إلى دور تاريخي مستقبلي وأصبح العامل الحاسم في تحديد المعادلة الدولية التي ولت القضاء على هاتين الإمبراطوريتين الممثلتين للماضي والشروع في القضاء على الأمبراطوريتين اللتين نتجتا عن الحرب العالمية الثانية.
       
وقد جرت هذه المشاركة الحاسمة بحسب مسارين: أحدهما يغلب عليه انقسام الوطن العربي بحسب منطق القطبين بحيث يشارك كلاهما مع حليفه في القضاء على القطب المقابل( القطب الذي حالف أمريكا كان العامل الحاسم في الهزيمة النهائية للاتحاد السوفياتي: حرب افغانستان والقطب الذي حالف الاتحاد السوفياتي يتبين الآن أنه العامل الحاسم في الهزيمة النهائية لأمريكا: حرب الخليج الثالثة ). أما المسار الثاني فكان يغلب عليه اتحاد الوطن العربي بحسب رفض منطق التقاطب إذ إن كلا الفريقين شارك في بناء قطب عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي الذي أصبح بعد زوال معادلة التقاطب وسقوط الاتحاد السوفياتي بداية التحرر العالمي بقيادة العالم الإسلامي قلب العالم الثالث النابض بحيث إن العرب اليوم هم قلب قلب العالم ما يجعل تركيز العنصريتين الأمريكية الإسرائيلية عليهم أمرا مفهوما.

دلالة ما بدأ يحضر من المستقبل
        أما تحليل ما بدأ يحضر من المستقبل فيمكن رده إلى مسألتين. فأما المسألة الأولى فتتعلق برأس حربة النهضة المادية أعني ممحص القوة المادية أو الحرب العسكرية ببعديها المادي والنفسي. وأما المسألة الثانية فتتعلق برأس حربة الصحوة الروحية أعني ممحص القوة الروحية أو الحرب العقدية ببعديها المادي والنفسي. وسنركز هنا على المسألة الأولى إذ إن شروعها في الوجود دليل على تحقيق النصر في المسألة الثانية: فلولا فشل الاستيعاب الغربي للمسلمين ثقافيا وحضاريا لما كان للغرب حاجة بمحاربتهم عسكريا وماديا.
    والسؤال هنا مضاعف:
        أولا:
كيف نفهم اعتبار أمريكا وحلفاؤها  ( اسرائيل وانجلترا بالتحديد ) اتحاد رأس حربة النهضة ورأس حربة الصحوة الذي بدأ يلوح في الأفق أمرا مخيفا إلى حد وصف الحرب عليه  بالحرب العالمية الرابعة؟
وثانيا: كيف نفهم الصمود العجيب لبلد ضعيف وفقير انهكته حرب لم تتوقف مدة عشرين سنة في معركة كان ما حصل فيها من جرائم يفوق بالكم والكيف ما حصل في كل الحروب السابقة بما في ذلك الحرب العالمية الثانية؟
المسألة الأولى
        والجواب عن السؤال الأول لا يستحق الإطالة. يكفي أن نقول: نعم هي بداية الحرب العالمية الرابعة من المنظور الأمريكي وهي بداية حرب تحرير العالم الأولى التي ستكون الأخيرة بإذن الله. وإذا كانت الحرب الباردة تقبل الوصف بالحرب العالمية الثالثة فإن الزعم بأن أمريكا قد ربحتها كذب محض. أمريكا  تبدو في السطح قد ربحتها. لكنها في العمق خسرتها: فهي قد ألغت مبرر هيمنتها على أوروبا بالقاضاء على  الاتحاد السوفياتي إذ التخويف به كان المبرر الوحيد لوجودها فيها وهي قد ألغت أهم وسائل تغريب العالم الثالث وعلمنته عن طريق العقيدة الماركسية التي هي جوهر الإنسوية المسيحية في شكلها البدائي. وبذلك فإن أمريكا قد مكنت خصيميها المحتملين أعني أوروبا والعرب من فرصة التحرر واستئناف الدور التاريخي ومن ثم من احتمال التحالف ضدها إذا توفرت للعرب النفوس القريرة ذات القلوب البصيرة والأيدي القديرة.
       
وطبعا فهذا أيضا من الظروف التاريخية التي ليس لقصد الفاعلين فيها من دور لكونها من قضاء الله وقدره: فالحاصل التاريخي ليس هو مقصود الأفعال الواعية بل هو متولداتها اللامقصودة مع الأفعال اللاواعية ومتولداتها والتفاعلات بين الأفراد في نفس الجماعة وبين الجماعات في الجنس البشري والتفاعلات مع الكون كله وجميع ذلك من القضاء والقدر الذي نؤمن بأنه جار بمشيئة الله ورعايته لصالح عباده الصالحين الذين يرثون الأرض. أمريكا هزمت في الحرب العالمية الثالثة لكونها أضعفت نفسها وقوت أعداءها المحتملين. وبذلك فهي قد دخلت ما تسميه بالحرب العالمية الرابعة في ظرف غير ملائم لها وستخسرها لكونها الحرب العالمية الأولى لتحرير العالم كله منها ومن جرثومتها الصهيونية: أولا لأن الخصم المعلن في هذه الحالة ليس طري العود ولا هين العريكة كما كان في عهد الاستعمار الأول ( الإسلام ) وثانيا لان الخصم غير المعلن هو كل من تتصوره أمريكا قابلا لان يكون حليفا بشرط أن يبقى تابعا. ولما كان لا يمكن للغرب الأدنى ( أوروبا ) ولا للشرق الأقصى ( اليابان والصين والهند ) أن يظلا تابعين فإن العالم كله سيضطر لأن يكون معنا على أمريكا وحليفتها الوحيدة إسرائيل. أما العجوز انجلترا وبقايا الاتحاد السوفياتي من أوروبا فهما كم يعادل الصفر ولا معول عليهما في أحداث التاريخ الجليلة.
        والقاعدتان الوحيدتان اللتان ينبغي للمسلمين ألا ينسوهما هما:
       
*- ألا يكونوا مجرد وقود للحرب فيستفيد الغرب الأدنى والشرق الأقصى منها دون عمل من أجلها بل عليهم أن يجعلوا الجميع مضطرا لدخولها ضد أمريكا. وشرط ذلك متوفر وقد حدده ابن خلدون: المطاولة بدلا من المناجزة والخداع والمناورة التي تتقتضي الكر والفر والمهادنة والمفاتنة تحينا لفرصة الاجهاز على العدو. ومجرد التعدد واضطرار أمريكا للحرب في جل بقاع العالم بحكم شساعة العالم الإسلامي سينهكها ويقضي على عزيمتها مما ييسر الاجهاز على قوتها المادية بعد الفراغ من فضالة ما عندها من قوة روحية.
        *- وألا يتصورا القيم السامية التي حققتها الحضارة الإنسانية الحديثة أعني حقوق الإنسان بأجيالها الثلاثة مجرد خدع أمريكية لمجرد كون أمريكا قد استعملتها للخداع. فهذه القيم نحن أولى بها وبتحقيقها الفعلي من كل الأقوام الأخرى ما دمنا نؤمن بأن قيم الإسلام هي الفطرة الإنسانية أعني الحقوق الطبيعية التي توصف بكونها حقوق الإنسان من المنظور الفلسفي وتوصف بكونها واجباته من المنظور الديني إذ هي عين المقاصد الشرعية الخمسة المعلومة لكل ذي بصيرة. لذلك فلا ينبغي أن يواصل أصحاب القشور من الإسلاميين اتهام كل المطالبين بهذه الحقوق واعتبارهم عملاء في حين أن الجميع يعلم أن العمالة لا تعشش إلا حيث يقتصر الإسلام على ما وصفه الإمام الغزالي بقشور الإسلام في مشروع إحياء علوم الدين. ومثلما أن قيم الإسلام لا ترد إلى سلوك بعض المسلمين الذين قد يفسدونها فكذلك قيم الحداثة لا ترد إلى سلوك بعض الأمريكان الذين قد يفسدونها.

المسألة الثانية
       
ولنأت الآن إلى السؤال الثاني: كيف صمد الشعب العراقي ( ويصمد لأن الحرب كما أسلفت في بحث سابق تبدأ فعلا بعد ما يبدو خسرانا للمعركة ) رغم كل الحسابات المادية التي كان يمكن أن تؤدي للحسم الأمريكي في يوم على أقصى تقدير؟ يقتضي الجواب عملية مقارنة بالحروب العربية السابقة بداية من حرب 48 إلى حرب 72 لفهم التغير في العقيدة الحربية وتحديد الشروط المستقبلية لهزيمة أمريكا وتحقيق المناعة الإسلامية التي لا يمكن أن يهمزها مخلوق ليتحقق مقصود الدين الخاتم: فلا يمكن أن يكون الإسلام خاتما إذا كان قابلا للهزيمة على أيد بشرية تستبدله بعقيدة محرفة هي المسيحية الصهونية في ما يسميه الأمريكان الأرض الموعودة الثانية ( أمريكا ) التي ستسترد الأرض الموعودة الأولى  (إسرائيل ) .
        كل الحروب التي خاضها العرب حديثا خسروها  بما في ذلك حرب  72 لانهم خاضوها بمنطق العدو وبفكره دون شروطهما المادية والروحية. جيش ضد جيش مع محاولة حصر الفاعلية في أدوات الفعل المادية دون القدرة على شروط انتاجها واستعمالها. وكل المحللين الذين تمتليء بهم الشاشات يخطئون إذ يعتبرون الحرب الحالية حرب عصابات لعدم ملاحظتهم غياب مقومي هذا المفهوم. فالمقوم السلبي منعدم:  من شروط حرب العصابات عدم وجود دولة وجيش نظامي. فإذا وجدا يصبح هذا الشكل من الحرب رديفا لحرب لا يمكن أن توصف بكونها حرب عصابات بل جزء من المناورة التكتيكية. والمقوم الإيجابي منعدم كذلك: فمن شروط حرب العصابات أن تكون بعد حصول الاحتلال وزوال الدولة التي تقود المقاومة وليس خلال عملية الغزو حيث لم تنته  المقاومة للجيش النظامي. والعلة في سوء التحليل أن استراتيجيينا وجنرالاتنا نسوا تاريخ الحروب الإسلامية ولم يقرأ أحد منهم أو لم يفهم الفصل الذي خصصه ابن خلدون لنظرية الحرب الإسلامية في المقدمة.

مبادئ الفكر الاستراتيجي الإسلامية
        ولنعد الآن إلى ارهاصات العودة إلى الفكر العسكري الإسلامي الذي يلخصه ابن خلدون في مبدأ استراتيجي أساسي استنتج منه قاعدتين اثنتين لا ثالث لهما. فأما المبدأ فهو مبدأ المفاضلة بين المناجزة ( =الحرب الخاطفة ) والمطاولة( =حرب الاستنزاف ) بحسب طبيعة القوة عند كلا المتحاربين: فالقوي ماديا يختار المناجزة إذا كان ضعيفا روحيا والقوي روحيا يختار المطاولة إذا كان ضعيفا ماديا. ولما كان هذا المبدأ يتضمن مفهوم التصرف في مدة فعل الحرب فإنه يؤدي إلى قاعدتين تتعلقان بالنسبتين المادية والروحية بين الزمان والمكان. لذلك  فالقاعدتان هما: قاعدة روحية تعالج مشكلا ذا حل علمي ينتسب إلى علم الأخلاق الدينية ويحدد طبيعة الفاعلية في الحرب وفيها يضع ابن خلدون العلاقة الجوهرية بين البعد النفسي أو القوة الروحية والبعد التقني أو القوة المادية في الحرب. والثانية قاعدة مادية تعالج مشكلا حله العلمي ينتسب إلى علم الفيزياء الرياضية ويحدد كيفية الفاعلية في الحرب وفيها يضع ابن خلدون مبدأ المزاوجة بين الحركة والسكون في قيادة المعارك وإيقاع الفعل فيها.
        وحتى يتبين القاريء قصد ابن خلدون فلنوضح علاقته بمبادئ الحروب الإسلامية كما تعينت في المصدرين الأصلين. فالمبدأ الأول الذي حدده ابن خلدون مستمد من القرآن الكريم والحديث الشريف. ألم يعتبر القرآن الكريم المسلمين في بداية الرسالة أكثر قوة روحية منهم بعد ذلك بقليل فنزل بالنسبة العددية بين المسلمين والكفار في الحرب من نسبة واحد إلى عشرة في البداية إلى واحد إلى إثنين في الغاية؟  ألم يقل الرسول الكريم إنه قد نصر بالرعب مسيرة شهرين؟ وحصيلة القولين أن الفاعل في الحرب هو المزاوجة المناسبة لحال الأمة بين القوتين المادية والروحية وليس وجود إحداهما دون أخراهما: لذلك اعتبرنا الالتحام بين النهضة المادية والصحوة الروحية قد وفرت هذا المبدا في الحرب الحالية
        لكن كيفية العلم بهذه الفاعلية هي التي تحدد الفكر الاستراتيجي الإسلامي: كيف التصرف في الحركة والسكون في الحرب على العدو على المستوى الفيزيائي الطبيعي ( سرعة الفعل وقوته) وعلى المستوى الخلقي الروحي ( ثبات الفعل وأثره ) ؟  وجد الرسول الكريم أن الفكر العسكري عند عرب الجاهلية قد بقي فكر بدو رحل فاقدا لمبدأ المزاوجة بين الحركة والسكون سرعة وثباتا فجمع بين منطق الحركة التي تترجم في الحرب بالكر والفر ومنطق السكون المتمثل في ثبات القاعدة الثابتة ببعديها الروحي  ( عقيدة الأمة وتاريخها ) والمادي ( أرض الأمة وجغرافيتها ) التي يكون منها الكر وإليها الفر خلال السلم قبل الحرب أعني دار الإسلام ذات الثغور التي ترهب الأعداء: وذلك هو معنى آية الردع التي تحدد مبدأين لإرهاب العدو هما مبدأ القوة عامة ويعني القوة الروحية ببعديها الخلقي والديني والقوة المادية ببعديها العلمي والاقتصادي ثم مبدأ رباط الخيل ويعني القوة العسكرية خاصة.
        ولما كان ما يشترطه دوام الحركة وبقاؤها هو استعمال أدوات الردع التي تمكن من التحكم في علاقة فيزيائية بين المكان بالزمان بتحديد سرعة الفعل وقوته في نسبة بينهما تحقق الغرض في الفعل العسكري ( مشكل فيزيائي رياضي ) وعلاقة روحية بيهما بتححديد ثبات الفاعلين وأثر الفعل فيهم وبهم إلى أن تتحقق غاية الفعل ( مشكل خلقي روحي ), فإن حل هذه المعضلة يقتضي تحقيق ثورتين في الفكر العسكري كلتاهما ذات بعدين: الأول فيزيائي  رياضي  للتحكم في سرعة الفعل وقوته الشارطتان لنجاعته وهما نسبة بين المكان ( الأين ) والزمان ( المتى ) الطبيعيين . والثاني  خلقي  روحي  للتحكم في عصبية الفعل الشارطة لثباته وأثره وهي كذلك  نسبة بين المكان ( الجوار الذي هو نسبة نسبة لكونه بين أينين )  والزمان ( الرحم الذي هو نسبة نسبة لكونه بين متوين ) الحضاريين.
        والثورة الثانية أهم من الأولى لكونها تتعلق بالغايات في حين الأولى تتعلق بالأدوات لذلك قدم ابن خلدون العامل النفسي الروحي على العامل التجهيزي المادي في الحسم العسكري. لذلك فسنبدأ بها لتحديد بعديها فضلا عن كون ابن مخلدون يقدمها في تحليله لأسباب النصر  في الحروب:
فبعدها الأول يتمثل في جعل الامة كلها مرابطة واعتبار التربية العسكرية جزءا لا يتجزا من التربية الدينية حتى إن الرباط لحماية الثغور بات ذروة العبادة بل والتصوف. وبذلك التوزيع على المكان ألغى مستعصيات المشكل الفيزيائي الرياضي إذ إن كل نقطة منه فيها من يحميها من أهلها إلى حين استكمال النفير لتحقيق بعد القوة بعد الحد من بعد السرعة: قضية الجوار التي تجعل كل المواطنين حماة لحيزهم بمقتضى عصبية الجوار والرحم المباشرين.
وبعدها الثاني يتمثل في جعل الحرب خارج دار الإسلام نقلا لهذا المنطق إلى ساحة المعركة: كل قبيلة عربية تنتقل انتقال وحدة حية بحميتها وحاميتها لتحمي مالها وعرضها ودينها          ( المقاصد الغائية الثلاثة ). وبذلك يكون الجندي مدافعا بعقله ( اجتهاد ) ونفسه ( جهاد )  ( المقصدين اللذين يتحولان إلى أداة  في الحرب رغم كونها غايتين في السلم ) عن أمر معين وليس عن مجردات ولعل أفضل مثال من ذلك مدينة القيروان في تونس ومدينة الفسطاط في مصر ومينتا البصرة والكوفة في العراق. وقس عليها كل مدن الإسلام الأولى.
        ويوحد بين بعدي الثورة الأولى طبيعة الواجب الجهادي في حياة المسلمين: فهو فرض ديني ليس فيه أكراه خارجي بل مصدره والباعث عليه الوحيد هو الإيمان. لذلك فالقيام به ينتسب إلى التطوع وليس إلا الإكراه لكون المقاتل المكره أكثر خطرا على الدفاع من العدو المهاجم إذ قد تعتمد عليه في خطتك فيفسدها عليك بترك موقعه من حيث لا تعلم كما حدث في كل هزائمنا. ومعنى ذلك أن التربية الجهادية إلزامية بالمعنى المدني والقانوني للكلمة لكن المشاركة الجهادية في الحرب خاضعة للحافز المعنوي والديني دون أكراه. من هنا كانت منزلة الشهادة أسمى المنازل الروحية في الحضارة الإسلامية مما يجعلها مطلوبة لذاتها وهو ما يغني عن الحاجة إلى الإكراه عليها. ولم ينحط دور الجهاد إلا منذ أن وقع الخلط بين الدفاع الجهادي الذي هو فرض عين وعلم الدفاع الجهادي الذي هو فرض كفاية ككل الحرف والصناعات فأصبحت حماية الأمة بيد جيش محترف تحول بالتدريج إلى مرتزقة وبات مصدر كل نكبات الأمة.
        أما الثورة الثانية فبعداها هما مضمون أية الردع التي تحددهما بصورة صريحة عندما أشارت إلى القوة بصورة عامة ثم أردفتها برباط الخيل.
فالقوة عامة هي البعد الأول وهو يتعلق بأسباب المناعة ما كان منها غير مباشر أعني العلوم النظرية وتطبيقاتها والعلوم العملية وتطبيقاتها وما كان مباشرا أعني المناعة التقنية والاقتصادية ( ثمرة العلوم النظرية وتطبيقاتها ) والمناعة الخلقية والاجتماعية ( ثمرة العلوم العملية وتطبيقاتها ).
        ورباط الخيل هو البعد الثاني  ويتعلق  بالقوة العسكرية رمزا إليها برأس حربتها لكون كتائب الفرسان هي الرمز لذروة القوة العسكرية في عصر نزول القرآن الكريم وهي من جنس الكتائب المدرعة والجوية في عصرنا.
        ويجمع بين البعدين مبدأ جوهري يحدد فلسفة الدفاع الإسلامية التي تسعى إلى منع وقوع الحرب بارهاب العدو أو بالردع وهو ما يعيدنا إلى دلالة الشهادة بوصفها التضحية بالنفس تضحية لا تكون كما اتفق بل باعتبارها آخر ما يضحي به وباعتبار القيادة الإسلامية لا تكلف الإنسان فوق وسعه تحملا للألم وإقداما على الموت. ومن ثم فالموت في الحرب لا يسمى شهادة بحق إلا عندما يكون المجتمع المسلم قد قام بكل ما ينبغي القيام به للدلالة على قيمة الحياة ومنزلة النفس بحماية المجاهد من الموت المجاني حتى تكون التضحية بالنفس آخر وسائل الدفاع إذ ليس بالصدفة أن جعل القرآن الكريم قتل نفس واحدة وإحيائها معادلا لقتل الناس جميعا وإحيائهم واعتبارها مركز المقاصد: فالعقل والمال قبلها والعرض والدين بعدها صفات لها ولا معنى لهما من دونها وهي لا تكون قابلة للشهادة من أجلهما الأولين إلا بحكم الأخيرين واعتبار المس بالخصائص الأربعة أفقادا للنفس معنى الحياة الحرة.
لذلك كان مفهوم الشهادة ومنزلة الشهيد في الإسلام أساس هاتين الثورتين  والمبدإ الموحد بينهما: ففي زمن السلم يغلب على الشهادة معنى شهود الحق الذي هو جوهر الإيمان وذلك هو وجه الجهاد الإجتهادي ( عمل علمي ) أو التواصي بالحق من أجل تحقيق بداية التكليف أو المعرفة الحرة التي من دونها لا يكون التكليف ذا وجود: العقل الحر. أما في زمن الحرب فيغلب عليها معنى الموت في سبيل الله الذي هو وجه الاجتهاد الجهادي ( علم عملي ) أو التواصي بالصبر من أجل تحقيق غاية التكليف او العقيدة الحرة التي من دونها لا يكون التكليف ذا معنى: العقد الحر.
       
ولما كان الجمع العملياتي بين منطق الصفوف والكراديس الثابتة ومنطق الكر والفر المتحرك ومنطق الجمع التعبوي بين منطق السيطرة على المكان والزمان بالجوار والرحم من خلال جعل الأمة كلها مجندة والثغور كلها رباطات قد طبقا في غزوات الرسول الكريم فإن النصر قد تحقق على قبائل العرب  ( منطق الكر والفر حصرا ) وعلى جنود الفرس والروم ( منطق الكراديس الثابتة حصرا ) فإن ذلك يقتضي مبدإين هما جوهر قيام الأمة حسب العقيدة الإسلامية. فلا يمكن من دون جعل التواصي بالحق بين المؤمنين ( جوهر الاجتهاد الذي هو غاية في  السلم وأداة في الحرب: المشاورة )  والتواصي بالصبر ( جوهر الجهاد الذي هو غاية في السلم وأداة في الحرب: المصابرة ) فرض عين  أن يطمئن مركز الأمة لأطرافها في الوظيفة الجوهرية التي تحقق بقاء الأمة: رعاية الثغور مهمة الجميع بحسب الجوار والرحم الخاضعين لمنطق الأخوة الإسلامية وليست مهمة حاكم متجبر يصبح جيشه في أطراف الوطن جيش احتلال قد يجعل المواطنين يتشفون منه عند تعرضه لضربات العدو كما حصل في جل حقبات تاريخنا عندما كانت الجيوش حاميات مرتزقة تحمي الأنظمة ضد الشعوب لا الوطن ضد أعدائه فتكون العلاقة علاقة تناهب وتغاصب وليست علاقة تعارف وتآخ
        وهكذا ففكر الإسلام الاستراتيجي كما عرفه ابن خلدون قد حدد بعدا جديدا لحيز الفعل كان مجهولا. فإذا كانت العلاقة المادية بين المكان والزمان قابلة للرد إلى التحكم في سرعة الفعل العسكري وقوته من حيث دور وجهه المادي في الحسم العسكري ( وللجغرافيا الطبيعية والحضرية والتقدم التقني هنا الدور الأول في تعقيد المشكل الطبيعي الرياضي الذي أشرنا إليه ) فأن العلاقة الروحية بينهما قابلة للرد إلى التحكم في ثبات الفعل العسكري وأثره أو وقعه من حيث دور وجهه الروحي ( وللتاريخ الطبيعي والحضاري والتقدم الخلقي هنا الدور الأول في تعقيد المشكل الخلقي الروحي الذي أشرنا إليه ) لكونها ترد إلى العلاقة بين الجوار ( المكان ) والرحم ( الزمان ): وذلك ما يعنيه ابن خلدون بالعصبية المحمودة بخلاف العصبية المذمومة.
        ورغم أن المقام لا يحتمل المزيد من التحليل فإن الصمود العسكري العربي والإسلامي الحالي والاستقبالي ينبغي أن يقرأ ويخطط له في ضوء هذه المبادئ إذا كنا نريد أن نربح الحرب الأولى والأخيرة للنصر على أعداء الإنسانية. فأسباب النصر فيها متوفرة بإذن الله وتوفيقه خاصة إذا فهمنا عقيدة الحرب الإسلامية التي تعالج القضية الفيزيائية الرياضية والقضية الخلقية الروحية فتمكن من التغلب على كل العقبات التي أدت إلى الهزائم المتكررة لجيوش لم تدرس منطق التاريخ الحربي الإسلامي ونظريته الخلدونية ولم تفهم استراتيجية القائد خالد بن الوليد هازم امبراطوريتي عصر الرسول. ويكفي أن شعب العراق قد استطاع في هذه المعركة القصيرة في تاريخ الأمة العسكري تثبيت العدو في ساحة حرب بطول العراق وعرضه مفقدا إياه سرعة الحركة ما حوله من مهاجم إلى مدافع حتى نعلم أن إرهاصات الفكر العسكري الإسلامي بدأت تعود إلى الوجود: نصارع العدو بمنطقنا فنجعله يرد الفعل بدل الفعل بخلاف ما فعلت الجيوش العربية إلى حد الآن. نفرض عليه المنطق العربي الإسلامي الذي سينهكه ويستنزفه ويقضي عليه في الغاية.

        ولا يهم من يربح المعركة الأولى المهم من يربح شروط نقلها من المناجرة إلى المطاولة فيتحكم في العلاقة بين المكان والزمان بالجوار والرحم ويحقق من ثم شروط ربح الحرب. بل الحرب قد ربحناها بعد, لأن أمريكا ستضطر إلى مضاعفة أعداد جندها يوما بعد يوم لتغطية ساحة المعركة الممتدة بامتداد رقعة العراق بعقلها ونفسها ( المقصدين اللذين يتحولان إلى     أداة ) ومن ثم إلى مضاعفة الخسارة إلى أن يحصل لها في العراق ما حصل للاتحاد السوفياتي في افغانستان. ولا يهم احتلال بعض العراق فهي تحتل جل البلاد العربية الأخرى بدون مقاومة بل وبطلب من حكامها. لكن مقاومة الاحتلال التي بدأت في العراق ستعم كل الوطن العربي. لن يستطيع الأمريكان أن يبقوا مستقبلا  في أقطار الوطن العربي بقاءهم السابق. فشتان بين  احتلال لم يسبقه دم لكونه ثمرة خيانة واحتلال تقدم عليه دم وثمن باهض: إنه بداية الجهاد بداية النصر الذي لا ريب فيه.

 

 (*) كاتب تونسي                                                           عودة الى: